رؤية العراق 2035 المصارف ثانياً

.

25/6/2026
المصدر-جريدة الصباح


في مقال سابق بعنوان عين على البرنامج الحكومي، تناولنا قراءة أولية للبرنامج الحكومي، وخلصنا إلى أن رؤيته تستند إلى ثلاثة أهداف استراتيجية مترابطة: الإصلاح الاقتصادي والمالي، والإصلاح المؤسسي، ومكافحة الفساد. وهي مرتكزات أساسية لا يمكن تحقيق أي منها بمعزل عن الآخر إذا ما أُريد للاقتصاد العراقي أن يتجاوز تشوهاته البنيوية وينتقل إلى مسار تنموي مستدام يليق بإمكانات العراق وثرواته.

وكانت البداية موفقة عندما استهل رئيس الوزراء نشاطه التنفيذي بزيارة وزارة المالية، باعتبارها بيت المال والمسؤولة عن إدارة الموارد العامة. غير أن الخطوة التالية التي كان يُفترض أن تحظى بالأولوية تتمثل في التوجه نحو القطاع المصرفي، بوصفه الذراع التمويلية الرئيسة لأي مشروع تنموي.

فالقطاع المصرفي ليس مجرد وسيط مالي، بل يمثل البنية التحتية للتمويل والاستثمار، وهو الأداة التي تعتمد عليها الاقتصادات الحديثة في تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو المشاريع الإنتاجية. لذلك تحرص الدول المتقدمة على تطوير قطاعها المصرفي وتعزيز كفاءته، لأنه الشريك الأساسي في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية وتوفير الخدمات المالية للشركات والمستثمرين.

وقد جاءت خطوة رئيس الوزراء بلقاء ممثلي القطاع الخاص خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لما تمثله من اعتراف بدور السوق والقطاع الخاص في عملية التنمية. إلا أن الأهمية الاستثنائية للقطاع المصرفي تقتضي تخصيص حوار مستقل ومعمق معه، نظراً لما يواجهه من تحديات هيكلية تؤثر في قدرته على دعم بقية القطاعات الاقتصادية.

ويواجه القطاع المصرفي العراقي اليوم جملة من التحديات، أبرزها العقوبات والإجراءات التي طالت عدداً كبيراً من المصارف، وما ترتب عليها من تراجع الثقة وتقييد النشاط المصرفي. ورغم الجهود الإصلاحية التي يقودها البنك المركزي العراقي والحكومة بالتعاون مع شركات ومؤسسات استشارية عالمية، فإن الحاجة ما زالت قائمة إلى معالجة كل حالة على حدة، وتشخيص أسبابها بدقة، ووضع حلول عملية تؤدي إلى استعادة الثقة بالقطاع وإعادته إلى دوره الطبيعي في تمويل التنمية.

إن المطلوب اليوم ليس فقط الاستمرار في برامج الإصلاح المصرفي، بل عقد جلسات مصارحة ومكاشفة مهنية تجمع الجهات الرقابية والمصارف والجهات الحكومية المعنية، بهدف تحديد المشكلات الحقيقية ومعالجتها وفق أسس قانونية ومؤسسية واضحة. فاستعادة الثقة بالقطاع المصرفي تمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي استراتيجية تنموية طويلة الأمد.

كما أن بناء اقتصاد عراقي متعافٍ ومستدام يتطلب تجنب تشتيت الجهود بين التزامات وأهداف متفرقة يصعب تحقيقها في الأمدين القريب والمتوسط، والتركيز بدلاً من ذلك على رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تُنفذ على مراحل متدرجة تأخذ بنظر الاعتبار المتغيرات الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية المحلية والعالمية.

إن نجاح رؤية العراق 2035 لن يتحقق عبر زيادة الإنفاق وحدها، بل من خلال بناء قطاع مصرفي قوي وموثوق، قادر على تعبئة الموارد وتوجيهها نحو الاستثمار المنتج، وتحويل الاقتصاد من اقتصاد ريعي يعتمد على التوزيع إلى اقتصاد منتج يقوده التمويل والاستثمار والشراكة

الفاعلة بين الدولة والسوق.